السيد مصطفى الخميني
119
تفسير القرآن الكريم
إمكاناتهم الاستعدادية ، التي حصلت لهم بسوء اختيارهم ، وتصير النتيجة خروجهم من الهداية إلى الضلالة أو تشتد ضلالتهم * ( ويهدي به كثيرا ) * وإذا كان هذا صريح القرآن العظيم العزيز ، الموافق لأعلى مراتب العلم والتوحيد ، فيخطر ببال القاصرين الواقفين في الجهالات الكلامية ، ويمر على خيال الجاهلين المتمردين عن الحق المبين ، مناقضة العقل والشرع ومضادة العلم والدين ، فأجيبوا ثانيا : * ( وما يضل به إلا الفاسقين ) * وما يتنزل الصور إلا حسب الحدود والمقتضيات ، فالفيض نازل على أنه الفيض ، ولكنه بالنسبة إلى المحال والمواد تختلف أحكامه وآثاره ، فما يضل به إلا من هو صال الجحيم ، ولا يضل به إلا كل كفار أثيم ، وما يضل به إلا المنحرف عن الجادة المستقيمة وعن الطريق القويم ، فالضلالة من ناحية القوس النزولي ، والفاسق خارج بفعله من الطينة والطبيعة الأولية ، فإذا قرع سمعه القرآن الكريم ، فيتمثل ما يسانخه ويؤيد فسقه وبطلانه * ( الذين ينقضون عهد الله ) * وصبغة الله المكنونة في أسرارهم وموادهم السابقة * ( من بعد ميثاقه ) * واستحكامه بالفطرة الإلهية ، فكانت العهود الإلهية داخلة في مبادئ حركاتهم الغريزية والجوهرية * ( ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ) * فينحرفون عن تلك الطريقة المتهيئة لهم ، فإن الله قد أمر - وهو أمره التكويني النوري الوجودي - بأن يخرجوا من النقص إلى الكمال باتباع الشرائع والمحكمات من الآيات ، وهم عكسوا الأمر عليهم ، فوقعوا في حاشية الطريق وفي هامش الصراط المستقيم ، فوقعوا في الجحيم وفي الدنيا وأحكامها ، فشاقوا الأنبياء وجاهدوا الأولياء وقاسوا العرفاء والحكماء والفقهاء .